البغدادي

289

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

المعنى ، لأنّ الإنسان لا يكون أخا نفسه ولا صاحبها . فإن قلت : فقد تقول مررت بزيد نفسه وهذا نفس الحقّ ، يعني أنّه هو الحقّ لا غيره . قيل : ليس الثاني هو ما أضيف إليه من المظهر ، وإنّما النفس هنا بمعنى خالص الشيء وحقيقته ، والعرب تحلّ نفس الشيء من الشيء محلّ البعض من الكلّ ، ولهذا حكوا عن أنفسهم مراجعتهم إيّاها وخطابها لهم ، وأكثروا من ذكر التردّد بينها وبينهم . ألا ترى إلى قوله « 1 » : ( البسيط ) أقول للنّفس تأساء وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم ترد وقوله « 2 » : ( الرجز ) قالت له النّفس تقدّم راشدا * إنّك لا ترجع إلّا حامدا وأمثال هذا كثير جدا ، وجميع هذا يدلّ على أنّ نفس الشيء عندهم غير الشيء . فإن قلت : فقد تقول هذا أخو غلامه ، وهذه جارية بنتها ، فتعرّف الأول بما أضيف إلى ضميره ، والذي أضيف إلى ضميره إنّما تعرّف بذلك الضمير ، ونفس المضاف الأول متعرّف بالمضاف إلى ضميره ، وقد ترى على هذا أنّ التعريف الذي استقرّ في جارية من قولك هذه جارية بنتها ، إنّما أتاها من قبل ضميرها ، وضميرها هو هي ، فقد آل الأمر إذا إلى أنّ الشيء قد يعرّف نفسه ، وهذا خلاف ما ركبته وأعطيت يدك به . قيل : كيف تصرّفت الحال فالجارية إنّما تعرّفت بالبنت ، التي هي غيرها ، وهذا شرط التعريف من جهة الإضافة ، فأما ذلك المضاف إليه ، أمضاف هو أم غير مضاف فغير قادح .

--> ( 1 ) البيت لأعرابي قتل أخوه ابنا له ، فقدم إليه ليقتاد منه ، فألقى السيف من يده ، وأنشأ يقول . والبيت في شرح الحماسة للأعلم 1 / 655 ؛ وشرح الحماسة للتبريزي 1 / 110 ؛ والحماسة برواية الجواليقي ص 65 . والتأساء والتأسي : التعزية وهي من الأسوة . وضرب اليد مثلا لأن الإنسان يغتر بأخيه ويمتنع به كما يبطش بيده ويدفع بها . ( 2 ) الرجز لأبي النجم العجلي في أساس البلاغة ( قول ) ؛ وتاج العروس ( قول ) ؛ ولسان العرب ( قول ) .